من المحروقات إلى القمح: نقص السيولة يضغط على اقتصاد سوريا

منذ ساعة

منهل باريش

تبدأ أزمة السيولة من حاجة الدولة إلى تمويل الواردات، ثم تنتقل إلى سعر الطاقة، ومنها إلى الزراعة والصناعة والنقل، قبل أن تظهر في نهاية السلسلة على أسعار السلع والغذاء.

تكشف أزمة المحروقات في سوريا عن مشكلة اقتصادية تتجاوز الارتفاع الكبير في أسعار البنزين والمازوت، بعدما أظهر نقاش وزير الطاقة محمد البشير أمام مجلس الشعب أن محدودية السيولة وصعوبة تأمين القطع الأجنبي باتتا من العوامل الأساسية التي تتحكم في قدرة الدولة على شراء النفط والغاز والمشتقات. وفي القطاع الزراعي، ظهرت المشكلة نفسها بصورة مختلفة، مع تأخر دفع أثمان القمح لمزارعين سلّموا محاصيلهم للدولة، بينما يستعدون لموسم جديد ارتفعت فيه كلفة الوقود والأسمدة والبذار والري والنقل.
ويجمع الملفين عامل واحد هو التمويل. فالدولة تحتاج إلى العملات الأجنبية لتغطية فجوة كبيرة بين إنتاج الطاقة المحلي وحاجة السوق، فيما يحتاج المزارع إلى السيولة التي ينتظرها من محصوله السابق كي يبدأ دورة إنتاج جديدة. وفي الصناعة، يضغط ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء على تكلفة التشغيل، بما يجعل أزمة السيولة مرشحة للانتقال من المؤسسات العامة إلى المنتجين، ثم إلى المستهلكين عبر الأسعار.
وجاءت جلسة وزير الطاقة أمام مجلس الشعب في 20 أيلول/سبتمبر، في أعقاب اعتراضات على الزيادة الأخيرة في أسعار المشتقات النفطية، لتقدم صورة أكثر وضوحاً عن حجم الفجوة التي تواجه قطاع الطاقة.
وقال البشير إن إنتاج سوريا من النفط يدور حول 112 ألف برميل يومياً، في حين تحتاج السوق إلى كميات إضافية تقارب مئتي ألف برميل يومياً يتم تأمينها من الخارج. وبذلك لا ترتبط قدرة الحكومة على ضمان تدفق الوقود بمستوى الإنتاج المحلي فقط، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير الأموال اللازمة للاستيراد.
وأوضح الوزير أن القيود المالية تؤثر في حجم المشتريات وفي إمكانية توفير كميات احتياطية تكفي لفترة أطول خلال الشتاء. كما تتكرر المشكلة في الغاز المستخدم لإنتاج الكهرباء، ما يجعل قضية التمويل جزءاً مباشراً من معادلة الإمداد وليس مسألة مالية منفصلة عنها.
وتظهر الأرقام التي قدمتها الوزارة أن المازوت القياسي ما زال يباع بأقل من الكلفة التي تحتسبها لتأمينه، إذ تقدر الأخيرة بنحو 206 ليرات لليتر مقابل سعر بيع يبلغ 175 ليرة. لكن تقليص هذا الفارق يضع الحكومة أمام معادلة حساسة، تقول بتحسين إيرادات قطاع الطاقة من جهة، وعدم رفع كلفة الإنتاج والنقل بصورة يصعب على الاقتصاد تحملها من جهة أخرى.
وعقب الاعتراضات، لجأت الوزارة إلى تقسيم المازوت إلى ثلاث شرائح سعرية، فجعلت الليتر المخصص للزراعة والتدفئة وبعض الفئات عند 115 ليرة، وحددت سعراً يبلغ 150 ليرة لبعض الأنشطة الإنتاجية والخدمية والآليات الثقيلة، فيما بقي سعر المازوت القياسي عند 175 ليرة.
وفي خطوة موازية، تراهن الوزارة على إعادة جزء من قدرات التكرير المحلية إلى الخدمة، من خلال معالجة نحو 35 ألف برميل من النفط الخام يومياً وتوجيه المازوت المنتج إلى الشرائح المدعومة.
غير أن أثر هذه التدابير لا يرتبط بالسعر المعلن وحده، وإنما أيضاً باستقرار الإمدادات وحجم الكميات التي تصل فعلياً إلى المزارعين والمنشآت. فإذا حصل المنتج على جزء محدود من احتياجاته بالسعر المدعوم، واضطر إلى شراء الكميات المتبقية بسعر أعلى، تتراجع فعلياً قيمة الدعم وتنتقل الزيادة إلى كلفة الإنتاج.
وتظهر حساسية ملف الطاقة بوضوح أكبر في الزراعة، حيث يدخل المازوت في مراحل متعددة تبدأ من تجهيز الأرض وتشغيل الجرارات، وتمر بالري، وتنتهي بالحصاد ونقل المحاصيل.
لكن الوقود ليس العبء الوحيد. فشكاوى المزارعين تشمل أيضاً أسعار الأسمدة والبذار والمبيدات وأجور الآليات والعمالة. وفي لقاء رسمي عقد في الرقة في 22 آب/أغسطس، جمعت مطالب المزارعين بين زيادة الأموال المتاحة لدى المصرف الزراعي وتسريع دفع أثمان القمح، وبين توفير المحروقات والأسمدة والبذار والمبيدات.
ويكشف الجمع بين هذه المطالب طبيعة الأزمة الزراعية الحالية. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى دعم أحد مدخلات الإنتاج، وإنما إلى دورة تمويل متصلة تبدأ من حصوله على ثمن المحصول وتنتهي بقدرته على شراء مستلزمات الموسم التالي.
وتقدم الحكومة أشكالاً من الدعم للقطاع، وبينها المازوت بالسعر المخفض، إلا أن شكاوى المنتجين تتركز على الفارق بين حجم ما يحصلون عليه فعلياً وبين احتياجاتهم الحقيقية. ويصبح هذا الفارق أشد وطأة في الزراعة المروية التي تحتاج إلى الوقود لتشغيل الآبار ومضخات المياه، قبل أن تعود كلفة الطاقة مرة أخرى عند الحصاد والنقل.
وفي الوقت نفسه، كشفت عملية شراء القمح عن وجه آخر لمشكلة السيولة. ففي الرقة والحسكة وإدلب ومناطق إنتاج أخرى، تحدث مزارعون عن تأخر الحصول على أثمان المحاصيل التي سلموها إلى مراكز الدولة، في وقت يعتمد فيه كثيرون منهم على هذه الأموال لإغلاق ديون الموسم السابق والاستعداد للموسم الجديد.
وتكشف بيانات المصرف الزراعي في الرقة حجم المشكلة. فمن بين نحو 3600 قائمة لمستحقات القمح وصلت إلى المصرف، كان الدفع قد أنجز لنحو 1113 قائمة حتى 17 آب/أغسطس، بحسب وكالة الأنباء السورية «سانا» وربط مدير الفرع وتيرة التسديد بحجم الأموال التي تصل إلى المصرف وبالسيولة المتاحة للصرف.
ولا يعني التأخير بالنسبة إلى المزارع تأجيل الحصول على أرباح فحسب. فدورة القمح نفسها تعتمد لدى كثير من المنتجين على تمويل مؤجل: تُشترى بعض المدخلات أو تدفع أجور بعض الأعمال بالدين، على أن يجري السداد بعد بيع المحصول. ولذلك يؤدي بطء دفع المستحقات إلى تداخل موسمين؛ التزامات مالية باقية من الموسم المنتهي، ونفقات جديدة بدأت بالفعل للموسم المقبل.
وكحل جزئي، أتيح لبعض المزارعين الحصول إلكترونياً على ربع مستحقاتهم عبر «شام كاش» وهو البنك شبه الرسمي الذي تعتمده الحكومة الانتقالية وهو البنك المركزي لحكومة الانقاذ في إدلب قبل سقوط نظام الأسد، فيما بقي المبلغ المتبقي مرتبطاً بتوافر النقد لدى الفروع. غير أن هذه النسبة أثارت اعتراضات بين مزارعين اعتبروا أنها لا تكفي للوفاء بالالتزامات التي تراكمت عليهم خلال الموسم.
وفي حالات أخرى، أوجد تأخر الدفع سوقاً للوسطاء، حيث ظهرت عروض لشراء الفواتير أو دفع قيمتها سريعاً مقابل اقتطاع نسبة منها. وهنا تنتقل كلفة نقص السيولة من المصرف إلى المزارع نفسه، الذي يصبح أمام خيار الانتظار أو التخلي عن جزء من مستحقاته للحصول على النقد.
وتزداد أهمية التوقيت مع بدء التحضير للزراعة الشتوية في أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر، وهي فترة يحتاج فيها المزارع إلى شراء البذار والأسمدة والمحروقات وتجهيز الأراضي.
والمفارقة أن هذه الصعوبات جاءت بعد موسم قمح مرتفع الإنتاج. فقد أعلنت المؤسسة السورية للحبوب أن الكميات المستلمة بلغت نحو 2.7 مليون طن، وهو رقم قدمته السلطات بوصفه كافياً لتغطية الاحتياج السنوي الذي تقدره.
وأشار الباحث الاقتصادي بنيامين فيف، في تحليل نشره في «The Syria Dispatch»، إلى أن وفرة المحصول اصطدمت بقدرة المؤسسات على تمويل عملية الشراء، معتبراً أن تأخير المدفوعات في هذه المرحلة قد يضعف قدرة المزارعين على تمويل الموسم التالي. كما لفت إلى أن إجمالي كمية القمح لا يقدم وحده صورة كاملة عن الاكتفاء، بسبب اختلاف استخدامات القمح الطري والقاسي، وما قد يفرضه ذلك من استمرار الحاجة إلى الاستيراد.
وتدعم البيانات الدولية صورة قطاع حقق تحسناً ملحوظاً هذا العام، لكنه ما زال هشاً. فبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، يتجه محصول القمح في 2026 إلى نحو 2.7 مليون طن، وهو مستوى يزيد بأكثر من النصف على متوسط السنوات الخمس الماضية. لكن المنظمة تتوقع، في المقابل، أن تحتاج سوريا خلال موسم 2026/2027 إلى واردات كبيرة من الحبوب، من بينها قرابة مليوني طن من القمح.
كما سبق لـ«فاو» أن نبهت إلى أثر غلاء الوقود والأسمدة والبذار والنقل والعمالة في قرارات المزارعين المتعلقة بالمساحات المزروعة. وهذا يعني أن ارتفاع التكاليف لا يقتصر على تقليص هامش الربح، بل يمكن أن يصل إلى قرار المنتج بشأن ما إذا كان سيزرع الأرض أصلاً ومساحة ما سيزرعه منها .
ويكمل البنك الدولي هذه الصورة، إذ يشير إلى أن الزراعة ما زالت تتعافى من آثار جفاف 2025 الذي أضر بمحصول القمح وزاد الحاجة إلى الاستيراد، في وقت تبقى فيه موارد القطع الأجنبي محدودة.
ويأتي كل ذلك في ظل وضع غذائي هش، إذ يقدر برنامج الأغذية العالمي أن نحو 7.2 ملايين شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بالتزامن مع اضطراره إلى تقليص جانب من مساعداته خلال العام بسبب نقص التمويل الدولي.
كلفة العجز تنتقل إلى الإنتاج
ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الزراعة. فالقطاع الصناعي يحتاج إلى الكهرباء والمازوت والفيول لتشغيل خطوط الإنتاج، فيما تدخل المحروقات أيضاً في نقل المواد الأولية والبضائع.
ومن هنا، لا يتعلق الأمر فقط بسعر الوقود، وإنما كذلك باستقرار الإمدادات. فالمنشأة الصناعية التي لا تحصل على الطاقة اللازمة بصورة منتظمة قد تضطر إلى استخدام بدائل أعلى كلفة أو خفض ساعات التشغيل، وهو ما ينعكس على كلفة الوحدة المنتجة وقدرة المصنع على المنافسة.
وعندما ترتفع تكلفة التشغيل، يجد الصناعي نفسه أمام خيار امتصاص الزيادة من هامش الربح أو تمريرها إلى المستهلك. وكلا الخيارين يحمل كلفة في سوق تعاني أساساً من ضعف القدرة الشرائية.
وهكذا تبدأ أزمة السيولة من حاجة الدولة إلى تمويل الواردات، ثم تنتقل إلى سعر الطاقة، ومنها إلى الزراعة والصناعة والنقل، قبل أن تظهر في نهاية السلسلة على أسعار السلع والغذاء.
والأكثر حساسية أن الزراعة والصناعة هما القطاعان اللذان تعتمد عليهما الحكومة لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج. غير أن ارتفاع تكاليفهما قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، إذا دفع المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو منع المنشآت الصناعية من زيادة إنتاجها.
أما في ملف القمح، فإن تأخر أثمان المحصول يوضح كيف يمكن لأزمة مالية قصيرة الأجل أن تتحول إلى مشكلة إنتاجية. فالمزارع الذي لا يحصل على أمواله في الوقت المطلوب قد يزرع مساحة أقل أو يخفض الإنفاق على مستلزمات الإنتاج، وهو ما يمكن أن يظهر لاحقاً في حجم المحصول وجودته.
وفي المقابل، يؤدي تراجع الإنتاج المحلي إلى زيادة الحاجة إلى الواردات، وبالتالي إلى طلب أكبر على القطع الأجنبي الذي يمثل أصلاً أحد جذور المشكلة.
وبهذا المعنى، تتجاوز أزمة المحروقات مسألة ارتفاع سعر ليتر المازوت، كما تتجاوز أزمة القمح مسألة تأخر دفعة مالية. فالمشكلة الأوسع تتعلق بقدرة الاقتصاد السوري على تمويل دورة الإنتاج بصورة متواصلة، فشراء الطاقة، ودفع أثمان المحاصيل، وتمويل المدخلات، ثم الحفاظ على أسعار تسمح للمنتج بالاستمرار وللمستهلك بالشراء.
وفي حال بقيت هذه الحلقة مضغوطة بنقص السيولة وارتفاع كلفة الطاقة، فقد تجد الحكومة نفسها أمام مفارقة صعبة: محاولة تقليص العبء المالي على الدولة من خلال رفع الإيرادات والأسعار، مقابل خطر تحميل الزراعة والصناعة كلفة تضعف قدرتهما على زيادة الإنتاج المحلي.
وعندها يصبح السؤال أبعد من سعر الوقود الحالي، ليتعلق بما إذا كانت معالجة أزمة التمويل ستساعد على تثبيت الإنتاج، أم ستنقل جانباً من العجز إلى المزارعين والصناعيين والمستهلكين وتزيد الحاجة لاحقاً إلى الاستيراد والقطع الأجنبي.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق