حامد محمد
الدوحة ـ «القدس العربي»: عاد الملف اليمني إلى واجهة التوترات الإقليمية مع تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي والمنشآت السعودية، بالتزامن مع توسع نفوذ جماعة أنصار الله على الساحل الغربي لليمن واقترابها من مناطق استراتيجية مطلة على باب المندب والبحر الأحمر.
وتضع هذه التطورات السعودية أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن وقف الهجمات وحماية أراضي المملكة ومصالحها الحيوية، من دون الانزلاق مجدداً إلى حرب طويلة داخل اليمن أو فتح جبهة إقليمية جديدة؟
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الهدوء الذي ساد العلاقات السعودية ـ الحوثية منذ هدنة عام 2022 لم يتحول إلى تسوية سياسية نهائية، إذ بقيت قضايا أساسية مرتبطة بمستقبل الدولة اليمنية وترتيبات تقاسم السلطة والأمن والحدود من دون حل شامل. ومع تجدد المواجهات خلال عام 2026، حذر المبعوث الأممي إلى اليمن من تزايد مخاطر العودة إلى صراع واسع النطاق.
وشهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً لافتاً في الهجمات الحوثية، شمل استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد أهداف داخل السعودية. وفي 19 أيلول/سبتمبر، أعلنت الرياض اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه العاصمة، في أول محاولة معلنة لاستهداف الرياض منذ تصاعد الجولة الحالية من المواجهات.
كما أعلنت السعودية اعتراض هجمات أخرى استهدفت مناطق ومنشآت في المملكة، بينما تحدث الحوثيون من جانبهم عن استهداف مواقع ومنشآت سعودية، وهي روايات لم يتم التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيلها.
وتكتسب هذه الهجمات حساسية إضافية بالنسبة إلى الرياض بسبب ارتباطها بمنشآت الطاقة والنقل والموانئ. فمدينة ينبع، الواقعة على ساحل البحر الأحمر، تمثل إحدى نقاط البنية التحتية المهمة لصادرات الطاقة السعودية، في وقت أصبحت فيه السيطرة على الساحل الغربي اليمني وباب المندب عاملاً متزايد الأهمية في حسابات أمن الملاحة والطاقة.
وفي أيلول/سبتمبر الجاري، وسع الحوثيون سيطرتهم على أجزاء واسعة من الساحل الغربي، بما في ذلك ميناء المخا وجزيرة ميون ومناطق أخرى قريبة من باب المندب، الأمر الذي يمنح الجماعة قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة البحرية في أحد أهم الممرات التجارية العالمية.
خيارات السعودية
وقال الدكتور خالد الجابر – المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة: «المعادلة السعودية، في تقديري، تركز على استعادة الردع من دون العودة إلى حرب مفتوحة في اليمن، فالرياض لا تريد أن تسمح بتحول الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية إلى أمر واقع، لكنها في الوقت نفسه تدرك كلفة الانجرار مجددًا إلى مواجهة عسكرية طويلة. ولذلك ستعتمد السعودية على تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية المنشآت الحيوية، والرد المحدود والمحسوب عند الضرورة، بالتوازي مع الضغط السياسي والدولي».
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي»: «يمكن أن يشكل حلف مكة عنصر ردع إضافيًا عبر الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، والدفاع الجوي والأمن البحري، لا باعتباره أداة لفتح حرب جديدة، بل لمنعها ورفع كلفة أي هجوم على المملكة».
وأشار الجابر إلى أنه من الأرجح أن الرياض تتجه إلى إعادة ضبط التوازن بين السياسة والمواجهة، وأن الخبرة الممتدة منذ عام 2015 أظهرت أن اليمن لا يمكن حسمه عسكريًا بسهولة، وأن الحرب المفتوحة تستهلك الموارد من دون أن تنتج بالضرورة تسوية مستقرة، ولهذا فإن المصلحة السعودية تظل في الوصول إلى صيغة سياسية تنهي تهديد الحدود وتمنع اليمن من التحول إلى منصة دائمة لتهديد أمن المملكة.
وتوقع أن استمرار الهجمات سيجبر الرياض على تشديد الجانب العسكري الدفاعي وربما استخدام القوة بصورة انتقائية إذا أصبحت كلفة عدم الرد أعلى من كلفة الرد، مبيناً أن شكل الاستراتيجية المقبلة سيتحدد وفق حجم الهجمات الحوثية ونوعيتها، ومدى تهديدها للمدن والمنشآت النفطية والبنية التحتية، وتطور المواجهة في البحر الأحمر وباب المندب، وطبيعة الدعم الخارجي الذي يحصل عليه الحوثيون، ومدى قدرة الوساطات الإقليمية والدولية على إنتاج تفاهمات قابلة للحياة، ولذلك فأن المعادلة السعودية الجديدة قد تكون: السياسة لإنهاء الأزمة، والردع لمنع الطرف الآخر من استغلال السياسة باعتبارها ضعفًا.
وحول الموقف الخليجي، قال الجابر: «الموقف الخليجي يحمل دلالة سياسية وأمنية مهمة، لأنه يؤكد أن استهداف السعودية لا يُنظر إليه باعتباره شأنًا سعوديًا منفردًا، بل باعتباره تهديدًا لأمن المنظومة الخليجية بأكملها؛ وقد أكد مجلس التعاون في بياناته الأخيرة وقوف دوله صفًا واحدًا إلى جانب المملكة ودعم الإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأراضيها، بما في ذلك بعد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ومحاولة استهداف مكة والرياض».
وأضاف: «قيمة الموقف الخليجي ستتحدد بقدرته على الانتقال من التضامن السياسي إلى بناء قدرة جماعية حقيقية، من خلال ربط أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي، وتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات تهريب السلاح، وتعزيز حماية المنشآت الحيوية والموانئ والمجال البحري. كما يستطيع مجلس التعاون أن يتحرك دبلوماسيًا بصورة موحدة لدى الولايات المتحدة وأوروبا والصين والدول الآسيوية الكبرى لإبراز أن تهديد السعودية والبحر الأحمر لم يعد مسألة محلية، بل مسألة تمس أمن الطاقة والتجارة الدولية».
وفيما يتعلق بالتأثير على أمن الخليج والملاحة الدولية، أكد الجابر، أن الخطر الأكبر هو أن يتحول اليمن من ساحة صراع داخلية إلى نقطة تحكم في أحد أهم شرايين التجارة العالمية؛ فكلما امتدت المواجهة نحو البحر الأحمر وباب المندب أصبحت الأزمة مرتبطة مباشرة بأمن الخليج والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ونوه إلى أنه بالنسبة لدول الخليج، المشكلة لا تقتصر على تهديد السفن العابرة، بل في احتمال تعرض المنطقة لضغط متزامن عند مدخليها البحريين الأساسيين: مضيق هرمز من الشرق وباب المندب من الغرب، وهو سيناريو يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويهدد صادرات الطاقة والتجارة ويضاعف المخاطر الجيوسياسية.
وتابع الجابر: «ولذلك لا ينبغي التعامل مع باب المندب باعتباره ملفًا يمنيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي الخليجي. والمطلوب هنا مزيج من حماية الملاحة، وتعزيز القدرات البحرية والاستخباراتية، والعمل مع القوى الدولية المستفيدة من حرية الملاحة، بالتوازي مع استمرار المسار السياسي في اليمن. فالهدف الاستراتيجي ليس الدخول في حرب جديدة، وإنما منع تشكّل واقع تصبح فيه الصواريخ والطائرات المسيّرة والممرات البحرية أدوات ابتزاز دائمة».
مخاطر توسيع رقعة المواجهة
ولا يبدو أمام السعودية خيارات سهلة، فالرد العسكري المباشر يمكن أن يوفر قدرة على إيقاف أو تقليص الهجمات في المدى القصير، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر توسيع رقعة المواجهة وإعادة إنتاج الحرب اليمنية بصورة أكثر حدة.
وتملك الرياض قدرات عسكرية ودفاعية متقدمة تمكنها من حماية مجالها الجوي واستهداف مصادر التهديد، إلا أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء الصراع اليمني. ولذلك فإن أحد المسارات المطروحة عملياً يتمثل في الجمع بين الردع الدفاعي والضغط السياسي والدبلوماسي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام مسار تفاوضي يفضي إلى وقف مستدام للهجمات.
وكانت الرياض والحوثيون قد حافظوا على حالة من الهدوء النسبي منذ هدنة 2022، لكن هذه الهدنة بقيت إطاراً لخفض التصعيد أكثر من كونها اتفاق سلام نهائياً. وتشير تقارير إلى أن الخلاف حول طبيعة الهدنة نفسها ظل قائماً؛ فالسعودية تنظر إليها في إطار وقف الحرب بين الحكومة اليمنية والحوثيين، بينما تعامل الحوثيون معها باعتبارها تفاهمًا مباشراً مع الرياض.
ومن هنا، فإن إنهاء الهجمات بصورة مستدامة يتطلب، إلى جانب الإجراءات الأمنية والعسكرية، معالجة أصل الأزمة السياسية اليمنية، بما في ذلك شكل الدولة وترتيبات السلطة والضمانات الأمنية والعلاقة بين الأطراف اليمنية.
الرياض لا تريد جبهة يمنية مفتوحة
بالنسبة إلى السعودية، لا يقتصر الخطر على الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف أراضيها، بل يمتد إلى احتمال تحول اليمن إلى منصة دائمة لتهديد أمن الخليج والملاحة في البحر الأحمر.
وتزداد أهمية هذا العامل في ظل التوترات المتزامنة في المنطقة، إذ أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من شبكة أوسع من خطوط التوتر الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر. وأي استمرار للهجمات على السفن أو المنشآت الساحلية يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري، ويدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، بما ينعكس على التجارة العالمية وتدفقات الطاقة.
وفي هذا السياق، أنشأت السعودية واليمن وعدد من دول المنطقة والدول المطلة على البحر الأحمر في تموز/يوليو تحالفاً دفاعياً متعدد الجنسيات بهدف حماية حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، في مؤشر على أن أمن الممرات البحرية أصبح جزءاً أساسياً من الاستجابة الإقليمية للتصعيد.
موقف خليجي موحد
وتحاول دول مجلس التعاون الخليجي التعامل مع التصعيد باعتباره قضية تتجاوز حدود السعودية، خصوصاً أن أمن المملكة يرتبط بصورة مباشرة بأمن دول المجلس واستقرار المنطقة.
وفي أيلول/سبتمبر، أدان مجلس التعاون الهجمات الحوثية على جنوب السعودية، والتي استهدفت مدنيين ومنشآت وبنية تحتية، وأكد تضامنه مع المملكة ودعمه للإجراءات التي تتخذها لحماية أراضيها ومنشآتها وسكانها.
وكان المجلس قد أكد في تموز/يوليو أيضاً أن استهداف السفن المرتبطة بالسعودية وتهديد الملاحة التجارية يمثلان خطراً على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، مشدداً على أن أمن المملكة من أمن دول مجلس التعاون.
وفي 15 ايلول/سبتمبر، جدد المجلس موقفه الرافض للهجمات الحوثية المتكررة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، مؤكداً وقوف دوله إلى جانب السعودية في حماية أراضيها ومواطنيها ومنشآتها.
وهذا الموقف الخليجي يعني عملياً أن أي تصعيد واسع ضد السعودية لن يُنظر إليه باعتباره مواجهة ثنائية بين الرياض والحوثيين فقط، بل باعتباره تطوراً يمس منظومة الأمن الخليجي بأكملها.
وتتجاوز تداعيات التصعيد حدود اليمن والسعودية إلى الأمن الاقتصادي الإقليمي والدولي، فباب المندب يمثل حلقة أساسية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي تهديد مستمر للملاحة فيه يمكن أن يدفع السفن إلى اتخاذ طرق أطول وأكثر تكلفة.
كما أن السيطرة الحوثية المتزايدة على أجزاء من الساحل الغربي تمنح الجماعة ورقة ضغط إضافية، حتى إذا لم تكن قادرة على إغلاق باب المندب بصورة كاملة. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر قد يكون كافياً لرفع أقساط التأمين وإجبار بعض الشركات على إعادة تقييم عملياتها في المنطقة. وأشار محللون إلى أن قدرة الحوثيين على التأثير في حركة الملاحة قد تعتمد على قدرتهم على خلق حالة من عدم اليقين أكثر من اعتمادها على إغلاق المضيق بصورة كاملة.
وفي حال استمر التصعيد، فإن المخاطر قد تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وزيادة الضغوط على الاقتصادات الخليجية، فضلاً عن احتمال انتقال المواجهة إلى ساحات أخرى في المنطقة.
الدبلوماسية… المسار الأكثر قابلية للاستمرار
ورغم ارتفاع مستوى المواجهة، لا تزال هناك إشارات إقليمية ودولية تدفع باتجاه احتواء التصعيد وعدم تحويله إلى حرب مفتوحة.
وفي اجتماع عقد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 22 أيلول/سبتمبر الجاري، أكدت السعودية وتركيا ومصر وباكستان حق المملكة في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، لكنها شددت في الوقت نفسه على أهمية أمن الملاحة واعتبرت الحوار والدبلوماسية الطريق المستدام لمعالجة الأزمات، مع تجديد دعم الحكومة اليمنية في جهود تحقيق الاستقرار والسلام.
كما دعت الأمم المتحدة إلى خفض التصعيد والعودة إلى مسار سياسي يمني شامل تحت رعايتها، مؤكدة أن التسوية السياسية عبر الحوار تظل الطريق القادر على توفير حل مستدام للصراع.
وتشير الصورة الراهنة إلى أن السعودية قد تكون أمام مسار مزدوج: استخدام أدوات الردع والدفاع لمنع استهداف أراضيها ومنشآتها، بالتوازي مع السعي إلى إعادة بناء مسار سياسي يضع حداً للحرب اليمنية ويقدم ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار.
لكن نجاح هذا المسار يتوقف على قدرة الأطراف اليمنية والإقليمية على الوصول إلى تفاهمات تتجاوز وقف إطلاق النار المؤقت. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما بمستقبل اليمن نفسه، وبموقع الحوثيين داخل الدولة، وبطبيعة العلاقة بين اليمن وجيرانه، فضلاً عن التداخل بين الملف اليمني والصراعات الإقليمية الأوسع.
وفي المقابل، فإن استمرار الهجمات الحوثية، خصوصاً إذا امتدت إلى منشآت الطاقة والموانئ والملاحة الدولية، يمكن أن يضع المنطقة أمام دورة جديدة من التصعيد، يصعب معها الفصل بين أمن اليمن وأمن الخليج والبحر الأحمر.
وبذلك تبدو المعادلة الحالية أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة عسكرية بين السعودية والحوثيين؛ إذ أصبح اليمن نقطة تقاطع بين أمن الخليج، وأمن البحر الأحمر، وتدفقات الطاقة والتجارة العالمية. ومن ثم فإن إنهاء الهجمات الحوثية لن يكون مرهوناً فقط بقدرة الرياض على اعتراض الصواريخ والمسيّرات، وإنما بقدرة الأطراف المعنية على تحويل ميزان الردع الحالي إلى تفاهم سياسي وأمني يمنع عودة الحرب بصورة أوسع.
- من حرب المضائق إلى حرب المطارات؟
- أندية إنكليزية تدرس مقاضاة مانشستر سيتي بعد إدانته في قضايا اللعب المالي النظيف
- الأمم المتحدة: عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني يقوضان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة
- الجيش الباكستاني: قادة عسكريون من باكستان والسعودية وتركيا يبحثون تعزيز العلاقات
- وزارة الداخلية: حزب الأصالة والمعاصرة يفوز بالانتخابات البرلمانية في المغرب


















0 تعليق