حكايات الجورنالجي مع نجوم الفن.. رحلة هيكل من كواليس «الريحاني» إلى دموع «عبد الناصر» وسر علاقته مع أم كلثوم وفاتن حمامة وخجله من ميمي شكيب

منذ 49 دقيقة

لم يكن الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل مجرد صحفى يتحرك داخل المكاتب المغلقة وأروقة السلطة ومعارك السياسة الصاخبة؛ بل كان رجلًا يملك عينًا نافذة ترصد تحولات المجتمع من زواياها الأكثر إنسانية وإبداعًا، فخلف «الأستاذ» الذى ارتبط اسمه بالقرارات المصيرية وأهل الحكم، جرت حياة أخرى أكثر ثراءً ودفئًا؛ حياة «الجورنالجي» الذى أدرك بحدسه أن مصر لا تُبنى فى مكاتب القرار وحدها، وإنما تُصنع كلماتها ومشاعرها على خشبة المسرح، وفى استوديوهات السينما والإذاعة، وبين أسطر القصائد، وألحان الأغنيات التى تسكن وجدان ملايين المصريين والعرب.

بدأت أولى خطوات هذا الشغف مبكرًا جدًا، وتحديدًا فى عام 1943، حين كان الشاب الصحفى الصاعد يحقق فى كواليس مسرحية «كشكش بك». هناك، فى خلفية المسرح، التقى بأسطورة الكوميديا نجيب الريحانى وبجواره الفنانة ميمى شكيب التى أبدى هيكل كسوفه وخجله منها أثناء حديثه معها. شهد ذلك اللقاء أول احتكاك حقيقى لهيكل بعالم النجوم، وقال الكاتب الراحل عن لقاء الريحاني: كان من رأيه أن أتوقف عن الكتابة عن المسرح  بسبب ضعف  مستوى الكتاب فى مجال الفن وقتها ونصحنى ألا أضيع وقتي”  لتصبح تلك التغطية تقريبًا أول وآخر تحقيقاتى الفنية- إلا أن هيكل لم يبتعد قط عن الفن، بل قرر أن يتحول من ناقد يكتب عن الفن إلى قارئ ذكى يلتقى بصانعيه ويقرأ من خلالهم مزاج الأمة.

ومع صعود نجمه وتحوله إلى أحد صناع الرأى العام فى عهد جمال عبد الناصر، أصبح «الأستاذ» جسرًا وثيقًا عبرت عليه السياسة لتلتقى بوجدان المجتمع. كانت علاقته بـ«كوكب الشرق» أم كلثوم تجسيدًا استثنائيًا لهذه الفلسفة؛ إذ لم يبدأ تقاربه معها من دواعٍ اجتماعية، بل من خلال شغف عبد الناصر الشديد بصوتها، وهو الشغف الذى جسدته رواية الأديب يوسف القعيد حين نقل عن هيكل ملمحًا إنسانيًا قائلا: رأى «الأستاذ» دموع الرئيس تتساقط تأثرًا بغناء أم كلثوم لقصيدة من شعر أحمد شوقي. كان هيكل يرى أن الحاكم لا يمكنه أن ينفصل عن رموز بهجة مجتمعه، لتتحول العلاقة سريعًا إلى صداقة أسرية وثيقة.

وفى عام 1955، شهدت الإذاعة المصرية مشهدًا تاريخيًا نادرًا حين تحولت «الست» إلى محاورة يجلس أمامها هيكل ضيفًا كى يتناقشا فى أبعاد حلف «عدم الانحياز». ولم تخلُ تلك الصداقة من عتاب القامات؛ ففى أوائل عام 1967، ومع نشر مقالات «بصراحة» المحذرة من نذر الحرب، زارته أم كلثوم لتعاتبه بأسى على نقل الإحباط للشارع، قبل أن تعود وتجلس أمامه كصحفية محاورة فى أعقاب هزيمة 1967، فى حوار ممتد لمجلة «آخر ساعة» ناقشا فيه شؤون القمة العربية ودور الأمم المتحدة. وكان هيكل يرى فى «الست» تجسيدًا حيًا لصلابة الفلاح المصرى الذى صعد من قلب الهامش إلى القمة، وحين سُئل يومًا عن المقطع الأقرب لقلبه من أغانيها، اختار دون تردد: «وعزة نفسى مانعاني».

أما عبد الحليم حافظ، فكان قصة أخرى من القرب والاستشارة؛ ظل «العندليب» ينظر لـ«الأستاذ» بوصفه الموجه والمعلم، يهديه كتبه بتوقيعات دافئة، ويستند إلى رؤيته فى أدق تفاصيل حياته. وفى مكتب هيكل بمجلة  «آخر ساعة»، دارت إحدى أشهر دراما الوسط الفني، حين رتب «الأستاذ» لقاءً جمع حليم بالكاتب الساخر جليل البنداري، ليتحول التوجس الأوليّ تحت مظلة هيكل إلى صداقة عميقة أسفرت لاحقًا عن كتابة مذكرات العندليب الشهيرة «جسر التنهدات». بل إن قلم هيكل الصحفى صاغ، بطريقة غير مباشرة، ملامح أغنية وطن؛ فعندما كتب مقالاته الحماسية إبان حرب أكتوبر 1973، استلهم منها الشاعر محمد حمزة كلماته الخالدة ليصوغ أغنية «عاش» التى لحنها بليغ حمدى وغناها حليم.

وفى المقابل، لم يتردد «الأستاذ» فى خوض المعارك الفنية دفاعًا عن حليم، حين كتب فى «أخبار اليوم» مهاجمًا ما وصفه بـ«زوبعة» الترويج للمطرب كمال حسني، محذرًا من محاولات ضرب التجربة الحقيقية لصوت الثورة.

وفى مساحة الفكر والأدب، اتسمت علاقة هيكل بالشاعر عبد الرحمن الأبنودى بنبل إنسانى رفيع؛ لم يرَ فيه مجرد كاتب يكتب الكلمات من برج عاجي، بل «ابن طمى النيل» الذى تحول على يديه الشوك والورد إلى ثورة؛ شاعر يعيش فى قلب المعمعة ليصبح صبيحة يومه ثائرًا وفى مسائه ضميرًا لأمته.

بينما حملت علاقة الجورنالجى بالكاتب الكبير توفيق الحكيم مزيجًا من التقدير والصدام؛ فقد اصطحبه معه إلى «الأهرام» وكان يضع «عودة الروح» و«يوميات نائب فى الأرياف» فى الصدارة من محباته، لكن هذه الصداقة اهتزت عنفًا بعد رحيل عبد الناصر عقب صدور كتاب «عودة الوعي» عام 1972؛ إذ رأى هيكل فى توقيت النقد نوعًا من تصفية الحسابات السياسية التى افتقدت الشجاعة فى حياة صاحب التجربة.

ولم يغب المسرح والسينما عن ذاكرة الجورنالجي؛ إذ بدأت صداقته مع «الزعيم» عادل إمام بجملة تلقائية قالها له هيكل: «إذا كانت لك قائمة معجبين فأنا على رأسها»، ليحضر لاحقًا عرض فيلم «الإرهاب والكباب» عام 1992 مشدوهًا بقدرة الكوميديا على تفكيك بنية السلطة.
كما احتفظ  للفنان أحمد زكى بمكانة خاصة منذ ظهوره فى مسلسل «الأيام»، حرص معها على زيارته فى أيام مرضه الأخيرة ليشد من أزره بنقل تجربته الشخصية الشجاعة مع الشفاء.

أما فاتن حمامة، فكان فيلم «صراع فى الميناء» عام 1956 نقطة تحول فى نظرته لها، حين اكتشف نضجها السينمائى بعد أن كانت ذاكرته تتوقف عند طفولتها فى «دموع الحب» مع الموسيقار محمد عبدالوهاب، ليكتب متأملًا أن تحول السينما يتطلب تحولًا مماثلًا فى سياسات الدولة نحو الفن، قبل أن تجمعهما صداقة عائلية هادئة ونبيلة فى خريف عام 2007 داخل مزرعة زوجها الخاصة.

رحل «الأستاذ»، وبقت حكاياته مع أهل الفن والكلمة خريطة نادرة تكشف عن وجهه الآخر؛ وجه الجورنالجى الذى لم يرَ فى المبدعين مجرد نجوم تلتقط معهم الصور، بل رآهم مرايا صادقة لمزاج الشعب، وصنّاعًا حقيقيين للذاكرة الوطنية، وصوتًا آخرًا لمصر التى تغنى وتكتب وتحلم بقدر ما تحكم وتسيطر.

نقلا عن النسخة الورقية من "فيتو"

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق